منتدى العلوم السياسية منتدى لكل طلبة العلوم السياسية في الجزائر و الوطن العربي.


    قياس القوة

    شاطر

    معمري

    عدد المساهمات : 6
    تاريخ التسجيل : 06/09/2008

    قياس القوة

    مُساهمة  معمري في الخميس أكتوبر 16, 2008 11:09 pm

    توجد عبارة ذات رنين خاص ذكرها المفكر الصينى القديم صن تزو ، وتم تناقلها عبر الزمن بصياغات مختلفة ، هى إعرف عدوك إعرف نفسك : فى مائة معركة لن تكون أبدا فى مأزق، وهى عبارة مركبة رغم ما تتسم به شكليا من بساطة ، فقد لا تكون معرفة العدو كافية ، إذ لابد أيضا من معرفة الذات ، الوجه الآخر لنفس العملة. ولكن مشكلتها الحقيقية ترتبط بالكيفية التى يمكن التوصل بها إلى تقدير سليم لإمكانيات (ناهيك عن نوايا) الطرف الآخر ، أو ما يمتلكه الطرف المعنى ذاته من إمكانيات ، على نحو يتيح تصور ما يمكن أن يحدث فى اللقاءات الفعلية ، أو بعبارة أخرى : قياس القوة .
    لقد ساد اتجاه مؤثر فى تحليلات القوة يؤكد أن من الممكن تقدير قوة دولة ما ، بأبعادها المختلفة ، وتوقع ما يمكن أن تقوم أو لا تقوم به تجاه الآخرين بتقييم أو قياس أوزان عناصر (موارد + موارد / قدرات + قدرات) قوتها القومية ، طالما أن قوة الدولة تستند على إمكانياتها فى الغالب ، واتسع نطاق استخدام هذه التقديرات فى أبحاث الاستراتيجية الشاملة وتخطيط الأمن القومى، كأسلوب يتيح تحليل طبيعة موازين القوة القائمة بين الأطراف المختلفة ، والتى يمكن على أساسها استنتاج المسارات المحتملة لعملية التأثير .
    إن الأصل فى تقييم قوة الدول هو يقينا اللقاءات الفعلية أو الميدانية بينها على الأرض ، على غرار ما يحدث فى مباريات الدورى العام لكرة القدم ، حيث تسفر المباريات المتتالية عن نتائج محددة (فوز ، تعادل ، هزيمة) ، ونقاط مختلفة تعبر عن وزن كل نتيجة ، بما يتيح تحديد قوة الفرق المشاركة فى اللعبة . لكن لأن الحروب أو اختبارات القوة الحادة ليست مباريات ، وعادة مالا تتكرر كثيرا ( إلا فى مناطق غير مستقرة كالشرق الأوسط ) ، وبالتالى لا توجد دائما إمكانية لإدراك القوة الحقيقية للدول ، فإن ذلك يستبدل بالاستناد على أسس افتراضية ـ على غرار نتائج اللقاءات السابقة فى كرة القدم ـ كالإمكانيات الحالية (أو المتوقعة) للطرفين المتقابلين ، من خلال معادلات تحاول صهر المقومات الكلية لقوة الدولة ، مادية ومعنوية ، ثابتة ومتغيرة ، للوصول الى تقدير تقريبى للقوة .
    فى هذا السياق ، حاول تيار واسع فى الدراسات الأكاديمية ، إضافة الى أقسام التخطيط وجهات التقدير فى المؤسسات الرسمية، تطوير أساليب علمية يمكن من خلالها قياس قوة الدولة استنادا على الإمكانيات المتاحة لها ، بافتراض أن الدولة تكون قوية أو قادرة على تحقيق أهدافها بقدر ما تسمح به عناصر القوة المملوكة لها . وقد تشكلت ـ عبر تطور هذه التحليلات ـ مناهج متعددة لقياس القوة ، أهمها منهجان :
    الأول : منهج يركز على قياس قوة الدولة إستنادا الى العوامل المادية التى يمكن قياسها مباشرة بمؤشرات كمية ، واعتمد بعض محلليه على عناصر الدخل القومى وعدد السكان وحجم القوات المسلحة كمؤشرات لقوة الدولة . بينما اعتمد آخرون على إجمالى الدخل القومى والنفقات العسكرية ، أو الناتج المحلى الإجمالى ، ومعدلات استهلاك الطاقة . وارتكز اتجاه ثالث على المؤشرات العامة للاقتصاد القومى (الزراعة ، الصناعة ، التعدين) والأرض والسكان والقوة العسكرية للدلالة على قوة الدولة .
    الثانى : منهج يحاول الجمع بين العوامل المادية والعوامل المعنوية (التى لا يمكن قياسها ببساطة) ، كقياس قوة الدولة استنادا ـ حسب بعض المحللين ـ إلى 8 عناصر أساسية هى الجغرافيا والسكان والموارد الطبيعية والقوة الإقتصادية والقوة العسكرية والوظائف الحكومية وعملية صنع القرار ، وأدخلت اتجاهات أخرى عوامل مثل الأخلاق القومية أو القدرات الثقافية أو العمل الجماعى ونظام القيم والقدرات التنظيمية ، إضافة إلى القدرات التقليدية فى عملية التقييم ، استنادا إلى أوزان مفترضة لكل منها .
    وعادة ، ما تتم حسابات قياس القوة بالمقارنة (لعناصر القوة الشاملة الرئيسية والفرعية) بين مجموعة دول ، مع اعتبار أقوى دولة فى المجموعة كنموذج قياس أو معيار ، بحيث يتم تحديد رقم معين (وزن) لكل عنصر من عناصر قوتها ، ويقاس بالنسبة له وزن نفس العنصر المناظر الخاص بباقى الدول ، أى أنها حسابات مطلقة، يمكن فى إطارها أن تتم مقارنة قوة الدولة بقوة دولة أخرى مناوئة أو صديقة لها .
    وقد أفرزت هذه المحاولات معادلات رقمية مركبة على غرار معادلة كلاين الشهيرة (البسيطة نسبيا مقارنة بمعادلات أخرى) التى تشير إلى أن :
    قوة الدولة = عناصر الكتلة الحيوية (الأرض والسكان) + القدرة الاقتصادية + القدرة العسكرية × الهدف الاستراتيجى + الإرادة القومية .
    وعلى الرغم من أن مثل هذه المحاولات قد أفادت فى تعميق المدركات الخاصة بعناصر قوة الدول ، إضافة إلى ما تقدمه من تقديرات تقريبية قريبة من الواقع لقدرتها على التأثير ، فإن بعضاً من محللى قياس القوة أنفسهم يعترفون بأن مثل هذه المقارنات لا تقيس قوة الدولة (أو تأثيرها) ، ولكنها تقيس فقط القاعدة التى ترتكز عليها قدرتها على التأثير ، كقدرتها على شن حرب ، أو مكافأة دولة أخرى اقتصاديا ، أو التأثير فى توجهات الرأى العام داخلها ، وذلك للأسباب التالية :
    1 - أن عناصر القوة القومية تتضمن ثوابت (كالمساحة الجغرافية) ومتغيرات (كالقوة العسكرية) متداخلة مع بعضها البعض ، ومتفاعلة بدرجة يصعب معها تقييم قوة الدولة على أساسها . فمن الصعب حصر التفاعلات بين العناصر المادية (كعدد السكان) وغير المادية (كالإرادة القومية) ، أو تحديد أدوات قياس وتحليل تضمن مستوى مقبول من الحياد ، فكثيرا ما استخدمت تلك القياسات لطرح تصورات تبتعد عن الحياد العلمى بغرض التقليل من قدرات طرف أو المبالغة فى قوة طرف آخر . وأحيانا ما يبدو أن تجميع عناصر ذات طبيعة مختلفة ، وضمها الى بعضها البعض ، كخلط التفاح بالبرتقال .
    الأهم أن قوة الدولة ذات طبيعة ديناميكية ، بمعنى أن التغير فى ثقل أحد العناصر المكونة لها لابد وأن تترتب عليه تغيرات فى حجم قوة الدولة سلبا أو إيجابا ، فتغير أسعار البترول بالنسبة لدولة تعتمد عليه كمورد قوة ، يؤثر فى قدراتها المالية ، وقد يدفع فى اتجاه إلغاء أو عقد بعض الصفقات التسليحية الخارجية ، ومن الصعب تحديد تأثيرات التفاعلات سريعة التغير. كما أن قوة الدولة (وهى ذات طبيعة نسبية مقارنة) تتأثر بالتغيرات التى تتعرض لها قوة الدول المجاورة لها ، حتى إذا ثبتت على ماهى عليه ، وبالتالى يصعب تصور إمكانية التوصل الى نتائج دقيقة ، وإنما فقط مؤشرات تقريبية للقوة ، استنادا على القياس .
    2 - أن أوزان تأثير بعض العناصر الرئيسية للقوة تتغير مع الزمن ، من حيث أهميتها ضمن أسس القوة أو درجة فعاليتها فى التأثير، بفعل تطور وسائل الاتصال وأدوات الحرب وأساليب التجارة ، وغيرها . وقد وضح ذلك فى الجدال الخاص بوراثة الإقتصاد للقوة العسكرية ووراثة المعرفة للاقتصاد ، إلا أن بعض عناصر القوة الثابتة ذاتها قد لحقت بها تغيرات أساسية . فقد تقلصت الأهمية الاستراتيجية للموقع الجغرافى إلى حد كبير ، ولم يعد متاحا للدول أن تغلق الممرات المائية إلا بثمن كبير ، كما لم تعد الحدود الطبيعية تشكل منعة دفاعية غير مشكوك فيها ، فى ظل تطور أشكال الحرب (خاصة الجوية) ، وانتشار الصواريخ أرض ـ أرض القادرة على الاختراق . كما لم تعد الموارد أو المحاصيل الرئيسية التى اصطلح على وصفها بالاستراتيجية ، كالبترول والقمح ، تحوز نفس أهميتها السابقة التى اكتسبتها عبر المنح أو المنع ، بفعل انفتاح الأسواق وتعدد الموردين وسهولة النقل ووجود البدائل . وقد تمكنت دول مختلفة من تجنب بعض التأثيرات السلبية لنقص مورد أو ضعف عنصر معين، كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل أو سنغافورة .
    3 - أن التأثيرات المحتملة لكثير من مقومات القوة لا تسير ـ كما سبقت الإشارة ـ فى اتجاه واحد ، بحيث لا يعنى امتلاك عنصر قوة معين وجود مقدار محدد حتمى من التأثير فى اتجاه ما، والمثال الواضح فى كل الكتابات بهذا الشأن هو حجم السكان، فعدد سكان الدولة قد يشكل ميزة تدعم قوتها ، وقد يمثل عبئا يؤدى إلى إضعافها ، تبعا لحالة التجانس أو مستوى التعليم والصحة ، لكن الأكثر دلالة هو الموقع الجغرافى ، فموقع الدولة الإستراتيجى قد يمثل أساسا قويا لتأثيراتها (بل وسيطرتها) فى المنطقة المحيطة بها ، لكنه قد يعرضها بشكل دائم لمحاولات الغزو والإحتلال والضغط الخارجى المستمر ، تبعا لمستوى عناصر قوتها الأخرى . كما أن هناك ما يشبه نفقة فرصة بديلة أو تأثيرات جانبية تحيط بكثير من أدوات القوة ، فامتلاك الدولة قوة عسكرية ضخمة يمكن أن يؤدى إلى تأثيرات قوية فى الأطراف المحيطة ، بما يدعم الأمن والمكانة ، لكنه قد يرهق اقتصاد الدولة بشدة ، إذا لم يترجم ـ ولا يحدث ذلك بالضرورة ـ فى شكل عوائد مالية ، وهو ما طرح دائما معضلة الخبز والبنادق .
    4 - أن التأثير يرتبط بكيفية تقييم النظم السياسية لهذه القوة أو تلك ، فما يؤثر فى واقع الأمر ليس القوة ، وإنما القوة المدركة أو المتصورة ، بكل ما يمكن أن يحيط بالمدركات من إعاقات . وثمة حالة نموذجية توضح ذلك هى الحرب العراقية - الإيرانية خلال الثمانينات، فعلى الرغم من توازن عناصر القوة الثابتة (باستثناء عدد السكان) نسبيا بين الطرفين ، إلا أن تقديرات القيادة العراقية لقوة إيران قد استندت فى الأساس على وجود خلخلة داخلية ، فى أعقاب الثورة ، تعرقل قدرة النظام الجديد على تعبئة موارد قوته ، بما يتيح للعراق تحقيق انتصار سريع متعدد الأبعاد ، إلا أن أساس التقييم (الخلخلة الداخلية) كان أكبر أخطائه، فقد أدى عنصر الإرادة القومية إلى ضبط التوازن ، بما جر البلدان لثمانى سنوات من الحرب انتهت بدون منتصر أو مهزوم بعد مقتل مليون فرد ، فالإدراك يمثل مشكلة ، ويصعب قياس اتجاهاته .
    وتظل هناك نقطة أساسية تمت الإشارة إليها بشكل مختصر من قبل ، وهى أن الدول لا تمتلك بالضرورة إمكانية تحويل أو ترجمة موارد القوة المتاحة لها إلى أدوات قوة محددة ، يمكن استخدامها مباشرة فى التأثير ، بحكم مشكلة الخصائص النوعية لها ، فأية مقارنة لأعداد السكان أو المساحات الجغرافية أو الموارد الطبيعية بين الدول العربية وإسرائيل لا تعبر على الإطلاق عن النتائج التى أسفرت عنها اللقاءات الفعلية المستندة فى الأساس على أدوات القوة ، بين الطرفين . كما أن الموارد ـ حتى إذا كانت قابلة من الناحية النوعية / الفنية للتحويل ـ لا تحدد استخداماتها ( اتجاهات تأثيراتها المحتملة) بنفسها ، فالقدرات النووية يمكن أن تستخدم لتوليد الكهرباء وتحلية مياه البحر أو إنتاج أسلحة نووية ، تبعا للقرار السياسى . يضاف إلى ذلك وجود متغيرات وسيطة تحكم العلاقة بين امتلاك أدوات القوة ذاتها والقدرة على التأثير، وإن كانت بعض الدراسات تشير ـ استنادا على قراءة تحليلية لوقائع عديدة ـ إلى أن الناتج المحلى الإجمالى GDP تحديدا ، يمثل أهمية خاصة فى تقييم قوة الدول، ونتائج التفاعلات الجارية بينها على المدى الطويل ، وأن القوة العسكرية تمثل أهم عناصر قوة الدول، وقدرتها على التأثير فى المدى الزمنى المباشر ، خاصة وأن حجمها ونوعيتها يمكن أن يوضحا حالة عناصر القوة القومية الأخرى للدولة .
    باختصار ، فإن من الممكن توقع احتمال تحقق نتيجة معينة لمباراة كرة قدم بين فريقين من المحترفين ، على أساس المقارنة بين مجموع أسعار اللاعبين فى كل فريق ، لكن لا توجد ضمانات ـ أو بتعبير آخر حتمية ـ بأن يحدث ما تم تصوره أو توقعه بالفعل .

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 24, 2017 10:49 am