منتدى العلوم السياسية منتدى لكل طلبة العلوم السياسية في الجزائر و الوطن العربي.


    أدوات القوة

    شاطر

    معمري

    عدد المساهمات : 6
    تاريخ التسجيل : 06/09/2008

    أدوات القوة

    مُساهمة  معمري في الجمعة أكتوبر 10, 2008 10:49 pm

    إن امتلاك القدرات Power Capabilities هو الحقيقة الأساسية فى ممارسة القوة . فكل الدول ترغب فى أن تؤثر على الدول المحيطة بها ، أو ذات العلاقة بمصالحها ، على نحو يحافظ على أمنها ، ويطور اقتصادها ، ويدعم مكانتها ، مع ضمان استمرار ذلك فى المستقبل، لكن تلك الأهداف ستظل مجرد رغبات إذا لم تترافق مع وسائل أو أدوات يمكن من خلالها تحويلها إلى واقع . فالوسائل ـ مثل المال بالنسبة للأفراد على سبيل المثال ـ هى التى تحدد القوة الشرائية لكل دولة مما هو متوافر فى السوق العالمية من سلع وخدمات ، أى حجم ونوعية ما يمكنها الحصول عليه من أمن ورفاهية أو مكانة ، وقد عبر جوزيف ستالين (الزعيم الشهير للإتحاد السوفيتى الأسبق) ببرود شديد ، عن هذا المعنى ، ذات مرة ، عندما استبعد رأى البابا فى إحدى المشكلات المطروحة ، قائلا كم فرقة (عسكرية) لديه؟ ، على الرغم مما تمثله تلك العبارة من سوء إدراك لقوة وسائل التأثير المعنوى .
    فى هذا الإطار ، تمتلك كل دولة فى العالم تقريبا مجموعة من وسائل القوة ، التى تتراوح بين أدوات رمزية تتشكل من عناصر محدودة الحجم والمهام ، ومؤسسات ضخمة ذات أذرع أخطبوطية تزيد ميزانياتها أحيانا عن الدخل القومى لدول أخرى بكاملها ، أهمها ما يلى :
    1 - القوة العسكرية :
    وتعتبرها معظم التحليلات العنصر الأكثر أهمية ضمن مكونات القوة القومية ، نظرا لخطورة الدور الذى تقوم به ، وطبيعة المهام الموكولة إليها ، وعنف التأثيرات الناتجة عن استخدامها ، ففشل القوة الإقتصادية لدولة ما قد يؤدى إلى الفقر ، بينما قد يعنى فشل القوة العسكرية لها الموت . وتشمل القوة العسكرية لأى دولة بصفة رئيسية قواتها المسلحة Armed Forces بأفرعها ( البرية ، الجوية ، البحرية ) وتسليحها ( التقليدى، فوق التقليدى، النووى) وكفاءتها القتالية ومواقع انتشارها ، إضافة إلى العلاقات الدفاعية التى تربط الدولة بالدول الأخرى ، بما تشمله من تعاون عسكرى أو تحالفات عسكرية ، ثم عنصر عسكرى فرعى مهم هو الصناعات الحربية التى توفر للجيوش الأسلحة والذخائر والقدرة على الحصول عليها وقت الحاجة ، وتطويرها فى المستقبل ، كما تشكل فى الوقت ذاته مورد قوة يمكن أن يدعم أسس اقتصادها ودفاعها على مستويات أخرى .
    2 - القدرة الإقتصادية:
    وهى أداة متشعبة الجوانب تمثل أحد أهم الوسائل متصاعدة الأهمية للقوة القومية للدول ، إضافة الى كونها ـ كما سبقت الإشارة ـ مورد قوة . وترتبط هذه القدرة بعدد هائل من الوسائل والأنشطة الخاصة بتصدير واستيراد (تجارة) السلع والخدمات ، وتبادل الثروة والمعاملات المالية ، ومنح المساعدات الإقتصادية، وأدوات الحماية التجارية ، والعقوبات والمقاطعات الاقتصادية ، ومنح أفضليات تجارية (كوضع الدولة الأولَى بالرعاية) ، وأدوات تحديد سعر صرف العملة الوطنية، والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة فى الخارج ، وكافة أشكال المفاوضات الخاصة بتنظيم التعاملات الإقتصادية، والتعاون الإقليمى. فقد أصبح الاقتصاد محور عمليات تفاعل واسعة النطاق بين الدول، لا تؤثر فقط على رفاهية الشعوب ، وإنما ـ أحيانا ـ أمن الدول .
    3 - الأدوات الدبلوماسية:
    وهى أدوات تقليدية قديمة استخدمت بأشكال شديدة التعقيد فى إدارة علاقات الدول ، وتطورت مع الوقت لتتضمن أنماطا عديدة من أشكال التأثير ، استنادا على شبكة من السفارات والقنصليات والمفوضيات التى لا تضم دبلوماسيين فقط ، وإنما ملحقين تجاريين وثقافيين وإعلاميين وعسكريين وعناصر استخبارات ، يعملون فى إطار أدوات القوى الأخرى . فلم تعد الدبلوماسية ترتبط فقط بالمراسم أو الترتيبات أو توصيل الرسائل ، وإجراء الاتصالات ، وتنظيم أوضاع المواطنين فى الخارج ، وإنما شرح السياسات وتوضيح المواقف ، والتنسيق السياسى ، وإجراء المفاوضات ، وعقد المعاهدات ، والتوصل إلى تفاهمات ، فقد أصبحت الدبلوماسية إطاراً لأنشطة واسعة النطاق تتم بين الحكومات والمؤسسات والممثلين فى المؤتمرات والمنظمات ، على نحو يصعب حصر حدوده .
    4 - الأدوات الاستخباراتية :
    وترتبط فى الأساس بعمليات جمع وتقييم المعلومات الخاصة بقدرات ونوايا وخطط وتحركات الأطراف الأخرى ذات العلاقة بمصالح الدولة ، على غرار ما تقوم به عادة أجهزة الاستخبارات مستخدمة وسائل الاستطلاع والتصنت والجواسيس، بالتوازى مع مهام مكافحة المحاولات التى تقوم بها الأطراف الأخرى لنفس الأغراض ضد الدولة المعنية.
    إلا أن مهام أجهزة الإستخبارات كانت دائما أوسع من مجرد جمع وتقييم المعلومات، أو الدفاع ضد محاولات التجسس المضاد، إذ أنها عادة ما تقوم بالأعمال التى اصطلح على تسميتها فى العلاقات الدولية تقليديا بالنشاطات السرية ، التى تصل بالنسبة لبعض الدول الى تنفيذ أعمال الاغتيال والحماية والاختطاف والتوريط أو تهريب الأسلحة أو الأموال عبر الحدود، ودعم نشاطات أو جماعات أو أشخاص فى دول أخرى ، وعقد صفقات أمنية وسياسية، وكافة المهام الأخرى ذات الحساسيات الخاصة ، وقد اتسع نطاق اهتمامات تلك الأجهزة فى السنوات الأخيرة ليتطرق الى مجالات عمل جديدة كالإقتصاد والتكنولوجيا ، وأصبحت أوضاعها أكثر شفافية .
    5 - الأدوات الرمزية :
    وترتبط هذه النوعية من القدرات بمجموعة من الأدوات التى تهدف إلى التأثير فى أفكار الأطراف الأخرى (قوة الفكر) ، وتشمل وسائل الإعلام / الدعاية التى تصاعدت تأثيراتها بشدة فى عصر الأقمار الصناعية ، على غرار ماهو قائم فى المنطقة العربية بشأن القنوات الفضائية ، وتقوم هذه الوسائل بمجموعة من الأنشطة الموجهة الى التأثير فى أفكار النخب غير الرسمية والأفراد العاديين فى الدول الأخرى ، بهدف تسويق توجهات معنية ، أو الدفع فى اتجاه تأييد أو رفض وضع معين ، فقد أصبح الإعلام قوة ، خاصة مع تصاعد أهمية تأثيرات الرأى العام فى التوجهات السياسية للدول .
    أما الأدوات الأيديولوجية الرمزية ، فإنها تهدف الى نشر تصور مثالى شامل لما ينبغى أن يكون عليه المجتمع فى المستقبل ، بما يحمله ذلك من قيم تخدم مصالح الدولة الفاعلة فى المدى الطويل ، كمحاولات الترويج للشيوعية فى فترة الحرب الباردة ، أو لما يسمى النمط الأمريكى للحياة، أو القيم الغربية، وتختلف الأدوات الثقافية عن الوسائل الدعائية والأيديولوجية فى أنها ترتبط بتوظيف الإنتاج الثقافى والتراث القومى فى التأثير على الشعوب الأخرى ، عبر الأقلام السينمائية أو المعارض الثقافية أو المهرجانات الدولية ، وإن كان ثمة نقاش واسع حول هذه القضايا كلها ، فى ظل توجه لإعادة النظر فى المقولات التقليدية ( على غرار ما قيل طويلا حول الغزو الثقافى ) المتصلة بها ، فى إطار العولمة .
    ولا يتوقف الأمر على هذه الأدوات الرئيسية ، فهناك وسائل أخرى متعددة ، تدير من خلالها الدول ، فى إطار سياسة منظمة أو أعمال تلقائية ، عملية التأثير ، منها :
    أ - أدوات السياسة الداخلية ، فالتأييد الداخلى لأى نظام سياسى يمثل أحد أهم عناصر تأثيراته الخارجية. لذا توظف النظم أدوات مختلفة لكسبه أو تشكيله أو السيطرة عليه ، كما يمكن أن توظف النظم أدواتها التشريعية والتنظيمية وأوضاعها السياسية فى التعاملات الخارجية .
    ب - الأدوات العلمية ـ التكنولوجية ، وترتبط باستخدام المعارف العلمية النظرية ، والتطبيقات العلمية المعملية كأدوات أساسية للتأثير ، كبرامج التبادل العلمى ، والمساعدة الفنية ، وبراءات الاختراعات ، وبرامج استكشاف الفضاء ، بأساليب مختلفة .
    المهم فى ذلك ، أن هناك تقييمات مختلفة لأهمية كل أداة من الأدوات السابقة ، فمحللى المدرسة الواقعية يرون أن القوة العسكرية تمثل الأداة الرئيسية لقوة الدولة ، وينظرون إلى كل أدوات القوة القومية الأخرى (كالقدرات الإقتصادية ، أوالأدوات الدبلوماسية) ـ بل وموارد القوة كعدد السكان والمساحة الجغرافية ـ من زاوية دعمها أو إضعافها لقوة الدولة العسكرية، أى بالقدر الذى يمكن تحويلها بها أو عدم تحويلها إلى قوة عسكرية .
    لكن مع ذلك ، فإن ثمة تيارا يشير إلى تقلص أهمية القوة العسكرية لصالح القدرات الإقتصادية فى مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة ، وتيار آخر متصاعد الأهمية يركز على تحول القوة من الاقتصاد (وريث القوة العسكرية) إلى المعرفة بأبعادها الثقافية ـ العلمية / التكنولوجية ، وتستند مثل هذه التيارات إلى مؤشرات مختلفة ذات أهمية بالفعل ، إلا أنها قد تثبت فى واقع الأمر أن أهمية القدرات الإقتصادية أو المعرفية قد تزايدت لتقترب من القوة العسكرية ، أو ربما تتفوق عليها فى مجالات معينة ، لكنها لا تثبت أن وزن القوة العسكرية قد تقلص .
    وعلى أى حال ، فإنه أيا كانت أهمية أداة معينة نظريا ، فإن امتلاك الدولة لها عمليا يرتبط ـ كما سلفت الإشارة ـ بحجم ونوعية موارد القوة المتوافرة لكل دولة ، فموارد الولايات المتحدة تسمح لها بامتلاك مؤسسة عسكرية كالديناصور ، وصل متوسط النفقات (الدفاعية) المخصصة لها سنويا خلال التسعينات إلى 285 مليار دولار ، وهو رقم يزيد عما تنفقه كل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية (قارة أمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى والكاريبى والمكسيك) ، وكذلك كندا ، ودول جنوب شرق آسيا واستراليا مجتمعة (245 مليار دولار) سنويا على جيوشها ، فهناك تفاوت واسع النطاق بين أحجام ونوعيات أدوات قوة الدول، تبعا لموارد كل دولة .
    وفى الواقع ، فإن الولايات المتحدة حالة مضللة ، فكل دول العالم تقريبا تواجه العنصر الرئيسى من المشكلة الاقتصادية الأزلية ، وهو محدودية الموارد ، وبالتالى تجد نفسها فى مواجهة معضلة تخصيص الموارد فى اتجاه أو آخر . وتطرح هذه المسألة أحيانا فى إطار معادلات ثنائية العناصر ، كالإشارة إلى مشكلة الاختيار بين إمتلاك الدبابات (القوة العسكرية) أو حيازة الذهب (الموارد الإقتصادية) Tanks or Gold ، بما يثيره ذلك من إشكاليات ، فالدبابات أداة قوية فى تأثيراتها على المدى المباشر ، ويمثل عدم امتلاكها مصدر تهديد لأمن الدول ، بينما يعتبر الذهب أيضا موضع احترام عبر الزمن ، وقد تكون تأثيراته أقل ، فلن يمكنه ايقاف التهديدات على المدى القصير ، وقد تستولى الدبابات عليه ( كما تثير حالة غزو العراق للكويت عام 1990) ، إلا أنه يمكن تحويله على المدى الطويل إلى دبابات ، بينما لا يمكن تحويل الدبابات الى ذهب ببساطة . لكن على الرغم مما لمثل هذه التمارين الذهنية من انعكاسات عملية ، فإن كل دولة تحدد أولويات متدرجة فى أهميتها تبعا لظروفها الخاصة ، فى ظل عمليات مساومة داخلية حادة بين جماعات المصالح المختلفة عند إقرار الميزانية القومية.
    إن ما هو معتاد هو أن كل دولة تمتلك عددا من قدرات القوة التى تتيحها لها مواردها ، فى ظل تعريف نخبتها السياسية لمصالحها وأهدافها القومية ، فموارد قطر على سبيل المثال لا تتيح لها إمتلاك قوة عسكرية ذات أهمية ، لكنها تتيح لها امتلاك قناة فضائية (أداة إعلامية) مؤثرة . وتقوم الدول ـ فى هذا الإطار ـ بتوظيف الأدوات المتاحة لها ، بأساليب مختلفة (كالضغط العسكرى ، والاتصالات الدبلوماسية ، والحصار الاقتصادى) فى وقت واحد ، لتحقيق أهدافها ، تبعا لأبعاد كل حالة . وقد أثبتت بعض الدراسات أن الأدوات الدبلوماسية هى بصفة عامة ، أكثر أدوات التأثير الخارجى استخداما من جانب الدول ، تتلوها الأدوات الاقتصادية، ثم الأدوات العسكرية التى ينظر إليها غالبا على أنها الملاذ الأخير .
    لكن تعقيدات لجوء الدول إلى استخدام قدرات قوتها المختلفة لا تقف عند هذا الحد ، فقد أثبتت خبرة بعض فترات التاريخ ، بالنسبة لبعض الحالات، ما يلى :
    أ - أن بعض الدول قد تتجه الى توظيف بعض أدوات القوة القومية أكثر من غيرها ، إذ أشارت بعض الدراسات إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما من أكثر الدول استخداما للأدوات العسكرية ، وأن الصين وكوبا (على سبيل المثال) من أكثر الدول استخداما للأدوات الدعائية خلال مرحلة الحرب الباردة ، وعادة ما يؤدى تكرارية استخدام أداة معينة إلى تشكيل صورة معينة حول سياسة الدولة التى تقوم بذلك ، كأن يشار إلى أنها تتبع سياسة قوة .
    ب - أن توافر أداة قوة معينة لدى الدولة قد يغرى باستخدامها ـ أو بتكرارية اللجوء لاستخدامها ـ ضد الأطراف الأخرى . فالدول التى تمتلك جيوش كبيرة (فى ظل موازين قوى تتيح لها حرية حركة بالطبع) تميل الى استسهال التهديد باستخدامها فى التعامل مع مشاكلها ، فى حالة ما إذا كانت هناك إمكانية ( ولو ضئيلة) لتأثر التفاعلات المتصلة بتلك المشكلة بذلك ، كما كانت كوريا الشمالية والعراق تفعلان إزاء الدول المجاورة .
    ومن المؤكد أن هناك علاقة بين امتلاك أدوات القوة والقدرة على التأثير فى سلوك الآخرين ، لكن مثل كل عمليات ممارسة القوة ، قد لا يكون وجود القدرات كافيا وحده للتمكن من التأثير على الآخرين ، فهناك عدة متغيرات وسيطة تحيط بذلك ، أهمها ـ بالإضافة الى قابلية أداة القوة ذاتها للاستخدام عمليا ـ ما يلى :
    1 - الإرادة + الكفاءة لدى الطرف الفاعل فى استخدام أدوات القوة فى إطار المحددات المعقدة المحيطة بعملية التأثير، وبينها موازين القوى القائمة بين الطرفين . ففى أحيان كثيرة يرتبط النجاح أو الفشل فى التأثير بصلابة / ليونة الإرادة ، أو توافر / عدم توافر الكفاءة ، فالعوامل غير المادية ذات أهمية حيوية مكملة .
    2 - إدراك الطرف الآخر لوجود عناصر القوة المحددة (المعبأة) لدى الدولة ، ووجود إرادة مؤكدة ومهارة متصورة بشأن استخدامها . فقد تتجاهل / أو لا تدرك الدولة الأخرى وجود ذلك ، مما يطرح احتمالات معقدة بشأن عملية التأثير برمتها ، فإدراك القوة يكون أحيانا بنفس درجة أهمية وجودها .
    ولا يعنى ذلك أن القدرات قد تكون غير مؤثرة ، أو أنه يمكن الشك فى ذلك ، لكنه يعنى أن هناك محددات مختلفة تحيط بعملية التأثير ، وتؤثر فى نتائجها النهائية ، فامتلاك أدوات القوة لا يكفى وحده لتحقيق الأهداف ، ولكن بدون امتلاك تلك الادوات فإن أية دولة تصبح خارج اللعبة .

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 24, 2017 10:47 am